الدكتور محمد ولد عابدين يكتب: من مكسب الحرية إلى مطلب المسؤولية

فضاء الأخبار:
كتب الدكتور محمد ولد عابدين :
إننا ونحن نحتفى بذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة، نحتاج في هذه اللحظة الفارقة من تاريخنا المعاصر إلى التأسيس لخطاب إعلامي جامع، قادر على التعبير عن نبض المجتمع، مساهم في صناعة وتشكيل الوعي، منسجم مع أهداف التنمية، مستجيب للرهانات المهنية والمؤسسية، ويستدعى ذلك من الباحثين والأكاديميين وخبراء الاتصال، أن يساهموا إلى جانب الحكومات وصناع القرار وراسمي السياسات، في بلورة مقاربة تشاركية واعية، تسعى إلى جعل الإعلام بمختلف أجناسه ركيزة للممارسة الديمقراطية ورافعة للتنمية، من خلال رؤية جديدة للحقل، تنبثق من رحم مؤسسيه ومنتسبيه، وتخلق جسرا للتواصل بين الأجيال الصحفية، سبيلا إلى التلاقي والتلاقح بين التجارب والخبرات، واستفادة اللاحق من السابق، ومشاركة الجميع في بناء صرح الثوابت والمشتركات الوطنية، وتجذير خيار الحرية المقترنة بقيم الوعي والمهنية والمسؤولية.
ولامراء في أن حرية التعبير تعد مكسبا وطنيا وخيارا استراتيجيا، يشكل ركيزة محورية للممارسة الديمقراطية، ورافعة قوية للتنمية في عصرنا الراهن، بيد أن صيانة وتوطين مكسب الحرية يستدعى فى المقابل استجابة موازية لتلبية وتمكين مطلب المسؤولية، نظرا للحاجة لضرورة اقتران الحرية بقيم المسؤولية والوعي والمهنية، فهي ترتبط بها ارتباطا جدليا وثيقا والعلاقة بينها علاقة لازم بملزوم.
ويتعاظم الاهتمام بالارتباط القائم بين ثنائية الحرية والمسؤولية كوجهين لعملة واحدة، خصوصا في سياق تطور الثقافة السياسية الحديثة، وبروز مفاهيم المواطنة التي تتعالق فيها الحقوق والواجبات، ولا شك أن الحرية بمفهومها العام تشكل العمود الفقري للمجتمعات الديمقراطية المعاصرة، وتندرج ضمن المقومات الرئيسة لمنظوماتها الحقوقية، ولعلها المدخل الأساسي لولوج فضاءات الإبداع وعوالم الابتكار، والمفتاح المركزي للنهضة والتطور والتنمية فى حياة الشعوب والأمم، غير أنها لا تنتج أو تفرز هذه القيم والمزايا إلا بارتباطها الوثيق مع ضوابط المسؤولية التي يحددها القانون ويرسم معالمها فى كل بلد.
ولكل من الحرية والمسؤولية أبعاد فلسفية وسوسيولوجية وسيكولوجية، وجوانب سياسية وقانونية وأخلاقية متشعبة، ولا يتسع المقام فى هذا المقال للإحاطة بها، إلا أننا نروم الركون فى هذه المقاربة إلى التأكيد على فكرة الربط بين حق التمتع بمكسب الحرية، ومطلب تحمل المسؤولية كالتزام أخلاقي وتجسيد قانوني لثنائية الحق والواجب.
ورغم أننى لا أدعو على الإطلاق لمراجعة سقف الحرية أو تقييدها عبر الأطر أو القنوات السلطوية، إلا أنى أطالب فى الوقت ذاته بمؤازرة أجهزة الضبط والرقابة المؤسسية في ممارسة صلاحياتها الضبطية، وتطبيق النصوص القانونية والتشريعات الناظمة لعملها، وأدعو أكثر من ذلك إلى تفعيل المسؤولية الاجتماعية والرقابة الذاتية، ومراعاة المعايير والقيم المهنية فى مضامين المنشورات الإلكترونية والمحتويات الرقمية لوسائل التواصل الاجتماعي؛ بأسمائها المستعارة وحساباتها الوهمية المنفلتة من كل قيد أو عقال، والمتحررة من كل وازع أو رادع.
فلا مناص من آلية لترشيد حرية النشر الإلكتروني وعقلنتها بما يخدم لحمتنا الاجتماعية ووحدتنا الوطنية، بعيدا عن المحاولات اليائسة لبث خطابات التطرف والكراهية، فلا مجال بيننا للهويات والانشطارات القلقة!.. ولا مجال بيننا للتشظي ودعوات التفرقة النزقة!..ولا وقت عندنا للمهاترات والمناكفات والتجاذبات والأجندات الضيقة، فقد آن الأوان لتكريس دولة مدنية مبنية على قيم الحرية والمسؤولية، ومبادئ التنوع الثقافي والتعددية الديمقراطية.
إننا اليوم في حاجة ماسة وضرورة حاقة إلى صون مكسب الحرية، والاحتكام إلى صوت العقل والمسؤولية، وتفعيل هذه العلاقة العضوية حتى تصبح الحرية فضاء للديمقراطية والتنمية، وصمام أمان يسهم فى بناء الإنسان وترسيخ قيم الأوطان، وذلك أهم مدخل للتحول من النظرة السلبية والرؤية العدمية.. والفهم العقيم والفكر السقيم !..نحو مداءات رحبة ومساحات خصبة من النقد الموضوعي البناء والتعاطي المنهجي العميق، والتفكير الإستراتيجي الأصيل، والتخطيط الاستشرافي الرصين.
وحينها تصبح الحرية ترجمان الوعي..وعنوان السعي لبناء صرح الثوابت والمشتركات، سبيلا إلى تجاوز التحديات وتصحيح الاختلالات بقلوب صحيحة وعقول صريحة، وفكر ثاقب ورأي صائب، وعبر آليات الخطاب الديمقراطي والحوار الحضاري الراقي.
د. محمد ولد عابدين
أكاديمي وإعلامي



