أخبار

جدار الثقة المتصدع: كيف تفقد الدولة شرعيتها الوجدانية؟ / عمر مولود أحمد

فضاء الأخبار  / ليست الدولة مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات بيروقراطية، بل هي في جوهرها فكرة يؤمن بها الناس. وحين يتوقف المواطن عن الإيمان بهذه الفكرة، تبدأ الدولة بالتآكل من الداخل قبل أن تنهار من الخارج. إن الثقة هي العملة الوحيدة التي لا يمكن للحكومات طباعتها، بل عليها اكتسابها بالعمل اليومي والعدل الملموس.

 

محطات الانهيار في وعي المواطن:

 

أولاً: الشعور بـ “اليتم السياسي”

تبدأ الثقة بالتلاشي حين يشعر المواطن أن صوته صرخة في وادٍ سحيق. عندما تُتخذ القرارات المصيرية التي تمس رغيف خبزه ومستقبل أبنائه في غرف مغلقة، بعيداً عن الشفافية أو المشاركة، يتولد لديه شعور بأنه “مفعول به” وليس شريكاً في الوطن. هذا التهميش يحول الولاء من “الدولة” إلى “الذات” أو “الجماعة الصغيرة”.

 

ثانياً: ازدواجية الميزان (غياب العدالة)

لا يكسر ظهر الثقة مثل “الظلم المقنن”. عندما يرى المواطن البسيط أن القانون سيفٌ مسلط على رقبته، بينما هو ريشة ناعمة في مهب نفوذ الكبار، تسقط قدسية الدولة في نظره. إن فساد القضاء أو المحسوبية في الوظائف العامة يجعل المواطن يشعر بأنه “مستأجر” في وطنه وليس صاحب حق، مما يدفع به نحو الكفر بالمنظومة ككل.

 

ثالثاً: الفجوة بين الخطاب والواقع

الثقة تُبنى على المصداقية. حين يمتلئ الإعلام الرسمي بوعود الرخاء والأرقام الوردية، بينما يواجه المواطن واقعاً مريراً من غلاء الأسعار وتردي الخدمات الصحية والتعليمية، يحدث “انفصام وطني”. التناقض بين ما تقوله السلطة وما يعيشه الناس يولد سخرية سوداء، وهي المرحلة التي تسبق الغضب والتمرد الصامت.

 

رابعاً: تحول الدولة إلى “جابي ضرائب” فقط

العقد الاجتماعي يقوم على (الواجبات مقابل الحقوق). إذا انحصر دور الدولة في تحصيل الضرائب والرسوم والمخالفات، دون تقديم أمن حقيقي، أو حماية اجتماعية، أو كرامة إنسانية، تصبح الدولة في نظر المواطن “عبئاً” يجب التخلص منه أو الالتفاف عليه، وليست “مظلة” يحتمي بها.

 

الختام:

إن انعدام الثقة بالدولة ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هو زلزال يضرب أسس السلم الأهلي. فالدولة التي لا يثق بها مواطنوها هي دولة هشة، مهما ملكت من ترسانة أمنية، لأن القوة قد تفرض الطاعة، لكنها لا تصنع الولاء أبداً. استعادة الثقة لا تبدأ بالخطابات، بل بالعدالة الناجزة، والشفافية المطلقة، ووضع كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.

 

كتب الصحفي: عمر مولود أحمد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا